سيد محمد طنطاوي

103

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الملائكة بالوحي ، من معنى القول ، كأنه قيل : يقول - سبحانه - بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا . . . » « 1 » . واقتصر هنا على الإنذار الذي هو بمعنى التخويف ، لأن الحديث مع المشركين ، الذين استعجلوا العذاب ، واتخذوا مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى . والفاء في قوله « فاتقون » فصيجة : أي ، إذا كان الأمر كذلك ، من أن الألوهية لا تكون لغير اللَّه ، فعليكم أن تتقوا عقوبتي لمن خالف أمرى ، وعبد غيرى . قال الجمل : « وفي قوله » فاتقون « تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه على الأحكام العلمية بقوله ، » أنه لا إله إلا أنا « ، فقد جمعت الآية بين الأحكام الأصلية والفرعية » « 2 » . وبعد أن بين - سبحانه - أنه منزه عن أن يكون له شريك ، وأنه قد أنزل الملائكة بوحيه على من يشاء من عباده ، وأنه لا إله يستحق العبادة سواه . بعد كل ذلك ، بين الأدلة الدالة على قدرته ووحدانيته ، بأسلوب بديع ، جمع فيه بين دلالة المخلوق على الخالق ، ودلالة النعمة على منعمها ، ووبخ المشركين على شركهم ، تارة عن طريق خلقه وحده - سبحانه - للسموات والأرض ، وتارة عن طريق خلقه للإنسان ، وتارة عن طريق خلقه للحيوان وللنبات ، ولغير ذلك من المخلوقات التي لا تحصى . قال - تعالى - : * ( خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ، تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * . والباء في قوله « بالحق » للملابسة . والحق : ضد الباطل ، وهو هنا بمعنى الحكمة والجد الذي لا هزل فيه ولا عبث معه ، كما قال - تعالى - : وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ . ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ . . . « 3 » . أي : خلق - سبحانه - بقدرته النافذة السماوات وما أظلت ، والأرض وما أقلت ، خلقا ملتبسا بالحكمة الحكيمة ، وبالجدية التي لا يحوم حولها لهو أو عبث . وقوله : « تعالى عما يشركون » تنزيه وتقدير لذاته وصفاته ، عما قاله المشركون في شأنه - عز وجل - من أن له ولدا أو شريكا . قال - تعالى - : مَا اتَّخَذَ اللَّه مِنْ وَلَدٍ ، وما كانَ مَعَه مِنْ إِله ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 94 . ( 2 ) حاشية الجمل ج 2 ص 557 . ( 3 ) سورة الدخان الآيتان 38 ، 39 .